الشيخ عبد الغني النابلسي

301

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

الظاهر بها للأبد بحيث لا تضمحل ولا تزل ما كان لها هذه العزة والمنعة عن أن يصل إليها فساد أو يتطرق إليها فناء أو زوال إلا فيه تعالى كما هو وصفها الحقيقي . والدليل على ذلك الأمر المذكور قوله تعالى عن نبينا محمد صلى اللّه عليه وسلم لما أخذ كفا من تراب ورمى به في وجوه الأعداء في بعض الغزوات . وقال : « شاهت الوجوه » « 1 » فانهزموا ولم يبق أحد منهم إلا وصل التراب في عينيه وَما رَمَيْتَ من حيث أن صورتك للّه تعالى تجلى بها إِذْ رَمَيْتَ من حيث أن صورتك لك ظهرت بها وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ الأنفال : 17 ] من حيث أن الصورة له ولهذا اخترق العادة في هزم الأحزاب وإيصال التراب وذلك قوله عليه السلام : « وهزم الأحزاب وحده ولا شيء قبله ولا شيء بعده » « 2 » والعين الناظرة من الحاضرين ما أدركت في الظاهر إلا الصورة المحمدية ، أي المنسوبة إلى محمد صلى اللّه عليه وسلم التي ثبت لها الرمي المذكور في الحس وهي ، أي تلك الصورة المحمدية التي نفى اللّه تعالى الرمي المذكور عنها أوّلا بقوله سبحانه : وَما رَمَيْتَ ، أي في نفس الأمر ثم أثبته ، أي الرمي سبحانه لها ، أي للصورة المحمدية وسطا ، أي ثانيا في وسط الكلام بقوله : إِذْ رَمَيْتَ ، أي بحسب ما يظهر منك للحس . ثم عاد تعالى بالاستدراك آخرا وثالثا إن اللّه تعالى هو الرامي وحده في صورة محمدية ظاهرة فقال تعالى ولكن اللّه رمى ، أي في نفس الأمر ، لأنه هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ [ الحديد : 3 ] . وقال تعالى أيضا في هذه الآية قبل ذلك في حق الصحابة رضي اللّه عنهم لما كانوا يفتخرون بقتل المشركين في تلك الغزوة فيقول الرجل : أنا قتلت خمسة ، ويقول الرجل : أنا قتلت عشرة ونحو ذلك على حسب ما ورد في الخبر عنهم . فقال تعالى لهم كما قال لنبيه عليه السلام : فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ [ الأنفال : 17 ] ، أي من حيث أن صوركم ليست لكم ولكن اللّه قتلهم ، أي من حيث أن صوركم للّه تعالى تجلى بها فقتل المشركين ، ولم يقل لهم إذ قتلتموهم كما قال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : إذ رميت لأنهم لا يحتاجون إلى إثبات الفرق ، لأنه أصل فيهم فلا يتكلفون لشهوده بخلاف النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فإنه لولا إثبات الفرق له بقوله : إِذْ رَمَيْتَ لوقف في أصله وهو الجمع ، فنفى الفعل عنه بالكلية وأثبته للّه تعالى وحده فقط ،

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب في غزوة حنين ، حديث رقم ( 1777 ) [ 3 / 1402 ] وابن حبان في صحيحه ، ذكر ما حال اللّه جل وعلا بين صفّيه صلى اللّه عليه وسلم . . ، حديث رقم ( 6502 ) [ 14 / 430 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه ابن سلام في الأموال ، حديث رقم ( 299 ) [ 1 / 144 ] .